في اليوم العالمي لمكافحة الفساد  :
 هيئة مكافحة الفساد ... ؟

إقامة العدل ، وحماية الحقوق العامة والخاصة ، وتوفير الأمن ، ومكافحة الفساد ، هي المهام الأساسية لأي حكومة ، بل هي أساس مشروعيتها ووجودها ..

 ولا تحتاج أي حكومة وطنية تحترم نفسها أن تكون مرتبطة باتفاقية دولية لكي تقوم بواجباتها في إقامة العدل وتحقيق الأمن ومحاسبة الفاسدين ، لأن ذلك يجب أن يكون نابعا من دستورها وقوانينها الوطنية التي هي انعكاس لإرادة شعبها ..

ما أريد قوله هنا ، وكلنا ضد الفساد ،أن لدينا مشكلة قانونية متمثله بالآتي :
أردنا أن نكافح الفساد ، فاعتقدنا أن المشكلة تكمن في القوانين !! (هكذا نفعل دائما ، حتى لو لم يكن الخلل في القوانين ) ..

أنشأنا " الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد " ، الشعار جميل بالفعل ، ولكن ما هي هذه الهيئة ؟ وما هو دورها الذي يجب أن تقوم به؟

- اذا كانت الهيئة عبارة عن جهاز للرقابة والتفتيش فما هو دور الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ؟؟

- واذا كانت الهيئة جهازا لتلقي البلاغات والتّحري عنها والتحقيق بشأنها وضبط المخالفين ، فما هو دور النيابة العامة وأجهزة الضبط القضائية والأمنية الأخرى وهي والحمد لله كثيرة وفاعلة عندما تريد ؟

- واذا كانت هيئة الفساد جهازا قضائيا ، فما هو دور المحاكم والقُضاة ؟ ..

- واذا كانت الهيئة جهازا تنفيذيا ، فكيف ستراقب أداء الأجهزة التنفيذية الأخرى ؟ وكيف ستحاسب الجهاز التنفيذي وهي جزء منه ؟؟!

ما لانريد الإعتراف به هو : أن هناك خطأ تشريعيا قد وقعنا به حين أنشأنا جهازا خليطا أو هجينا تحت اسم " الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد " ثم أعطينا هذا الجهاز صلاحيات واختصاصات كان يجب أن لا تُمنح لأي جهاز خارج إطار القضاء ، وبدون أي سند دستوري واضح ،  فأصبحت هذه الهيئة تتنازع الاختصاصات والصلاحيات مع أجهزة العدالة القائمة التي تستمد صلاحياتها واختصاصاتها من الدستور والقوانين النافذة ..

 وكانت النتيجة إصابة جهاز العدالة كله بالشلل فيما يتعلق بمكافحة الفساد وجرائم الأموال العامة ، فلا الهيئة الجديدة استطاعت أن تقوم بعملها ، ولا الاجهزة الأخرى استمرت في أداء وظائفها !!

وكرجل قانون ، فالحل كما يبدو لي ، وكما يقتضيه المنطق ، وبما يتسق مع  منظومتنا القانونية والقضائية ، يمكن تلخيصه في أربع نقاط اساسية :

1 - أن يتم دمج كل من الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد في جهاز واحد ، وليكن إسمه : الجهاز المركزي للرقابة ومكافحة الفساد .. ( وفي هذه الحالة يمكن الاستفادة من البنية المؤسسية ، ومن كوادر وخبرات وتجربة الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ومن فروعه ومكاتبه المنتشرة في كافة محافظات الجمهورية )

2 - أن يتم توسيع صلاحيات الجهاز بما يستوعب أي نقص قائم في القوانين الحالية وبما يتفق مع نصوص الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد ..

3 -أن يتم إعادة هيكلة الجهاز الجديد بما يسمح بتوسيع هيئة رئاسته ( المجلس التنفيذي أو الأمانة العامة ) لتكون من تسعة أعضاء أو من أحد عشر عضوا

4 - أن يتبع هذا الجهاز مجلس النواب باعتباره السلطة التشريعية والرقابية العليا في البلاد .

هذا هو الحل القانوني في نظري .
أما موضوع تعديل القوانين والنصوص المتعارضة مع قانون الهيئة الحالي فهو حَلٌ ( ترقيعي ) ، و يعكس بوضوح عدم خبرة وتخصص القائلين به ، لأنه لا يمكن أن نقوم بتعديل كل المنظومة القانونية القائمة من أجل أن نجد اختصاصات لا وجود لها لهيئة الفساد ، لأن وضعها التشريعي خاطئ من أساسه ، فهي مجرد " شعار" حولناه إلى "هيئة" بلا مضمون أو دور وظيفي يستدعي وجودها .
________
* ( ملاحظة : حديثي هنا عن الهيئة كهيئة ، ولا يمس من قريب او بعيد كفاءة ونزاهة الأشخاص الذين شغلوا او يشغلون موقع المسئولية فيها ، فكثير منهم ، بحسب معرفتي الشخصية ، على أعلى درجة من الكفاءة والنزاهة .. )

د. ياسين الشيباني
أستاذ القانون الدولي
جامعة صنعاء.

أعلى الصفحة